مثل
كل يوم جمعة في قرية كفر عبده يستيقظ الناس متأخريين قليلا عن المعتاد،
قبل صلاة الجمعة بساعة على الاكثر ويجلسون أمام منازلهم حتى ميعاد الصلاة
يتبادلون التحيات ويشربون كوب شاي يساعدهم على النشاط.
وهي ليست أول مرة ولن تكون الاخيرة، حيث قبل ميعاد الصلاة بنصف ساعة، سمعوا صوت تشغيل ميكروفون المسجد.
ميكروفون المسجد لأنه قديم يطلق صوت جرس عال فجاءة ثم يختفي عندما يعمل.
خبط الشيخ خبطتين باصبعه على الميكروفون استطاع بهم ان يلفت انتباه القرية
بما فيها وجعلهم يقولون في سرهم "ربنا يستر" .
بدأ
رجال القرية بحركة سريعة يتوجهون نحو المسجد ليتفقدوا الشيخ وينظروا لماذا
شغل الميكرفون مبكرا، وسمعوه يتنفس في الميكرفون ثم بدأ يقول...
" أهيم شوقًا ، أعود شوقًا ، الى لماكي وسلسبيلي "
توقف الرجال لحظات لأنهم لم يفهموا ما يحدث، أهذا انشاد لله، ام إنها أغنية عاطفية، ولكن حيرتهم هذه لم تطول كثيرا حين أستطرد،
" يا سمره ياللي الهوى رماني، وتهت فيكي وضاع زماني، يا سمره ياللي..."
في هذه اللحظات كان الرجال وصلوا المسجد، خلعوا أحذيتهم في عجلة وقطعوا الصوت عن السماعات.
وقبل أن يذهبوا للشيخ الذي لم يُلاحظ ما فعلوه مستمرا في الغناء، وصل العمدة ووقف عند الباب سائلًا، " ماله ؟"
- شكله سكران يا حضرة العمدة..
- تاني؟! ..هاتوه على عندي في الدار..
-
حمل اثنين من الرجال الشيخ وأخذوه لدوار العمدة، ونادى العمدة على ابنه حسين سريعا فور دخوله المنزل..
- يا حسين ! تعالى خد عاوزك
- أيوة يابا..
- تاخد بالك من الشيخ، تعملوا قهوة وتفضل جنبه لحد ما يفوق
- بس انا كنت رايح الجامع..
- ماتروحش النهاردة، مش عايزين فضايح، خد بالك انت منه..
- ما نبلغ عنه الاوقاف يابا، يبعتولنا غيره وخلاص..
- خلي عندك دم ياض، هو ملوش ذنب، ده غصب عنه، ومصيره ينسى
- مصيره ايه ده بقى له سنة ع الحال ده..
- انت بترغي كثير ليه؟ القهوة هتتعمل من نفسيها ؟
- حاضر..
- يا شيخ..يا شيخ حسني إصحى ..
- حُسنية ؟
- لا بركات..
- وحُسنية ؟
- لا بركات بس..
- طب وحُسنية ؟
- هي جاتلك في المنام ؟
-
جاتلي..جالتلي تعالى يا حُسني مستوحشاك...جولتلها لازم استنى
ميعادي..جالاتلي يبقى مابتحبنيش...جولتلها اللي مابيحبش هو اللي ترك وانا
ماتركتكيش...جالتلي وايه كان بيدي..وجولتلها وانا ايه اللي في ايدي
برضك..جالتلي..
- لا بس يا شيخ بص ! بجولك انا ايه، الواد حسين بيعملك قهوة إشربها وفوق..واشوفك بعد الصلاة علشان كده هتفوتني..
- ماشي يا عمدة..
- وبلاش موضوع الغُنا في المسجد ده...
- "أهيم شوقا "
- لا اله الا الله
خرج العمدة وانطلق نحو المسجد لاداة صلاة الجمعة داعيا لله ان يعود الشيخ حسني لرشده.
كل الناس في القرية يحبونه، أفضل شيخ مر عليهم منذ زمن، هو رجل ذو فكرا
واسع، وحس رقيق، وصوت يحرك قلوبهم نحو الله دون مجهود من شدة عذوبته، ولكن
من يوم موت حبه الوحيد حُسنية وهو في هذا الحال، ولكن الكل متعاطف معه.
حسين
خرج بالقهوة للشيخ و وجده غير موجود، فركض نحو الباب ورأي الشيخ يبتعد
راكبا حمار العمدة، أخذ حمار أبيه، شكر حسين الله وركن القهوة وركض للمسجد.
يتحرك الحمار بين البيوت والشيخ جالس عليه بين الغفو والاستيقاظ وجميع السيدات تتابعه من النوافذ حزينة على حاله.
أوقف
الشيخ حمار العمدة عند منزله ودخل ليأتي بزجاجة التي كان يشرب منها وعاد
للحمار الذي وصلّه الى الترعة التي يحب ان يجلس عندها أحيانا.
نزل الشيخ من على الحمار وضربه ليمشي، وجلس وهو لا يكترث ان يوسخ رداءه وفتح الزجاجة وبدأ يشرب وهو يغني،
" يا سمره ياللي الهوى رماني، وتهت فيكي وضاع زماني، يا سمره ياللي ..."
- صوتك حلو طول عمره يا شيخ حسني..
- أشرف ؟ انت بتعمل هنا ايه؟
- بحب أجي هنا يوم الجمعة والناس كلها في المسجد، ارتاح شوية من بصاتهم والكلام..
- وبيبصولك ليه يا أشرف يا ابن الناس الكويسين؟
- ما انت عارف يا شيخ،
- صحيح ؟..انا عارف؟
-
اه، بس انت مش فيك دلوقتي، لما تفوق هتفتكر، هتفتكر اني معمرتش مع ولا
واحدة أتجوزتها رغم ان كلهم بنات ناس ويصونوا الشيطان ذات نفسه بس انا
كفرتهم..
- أمال سابوك ليه ؟
-
والله ما أعرف..والله ما كنت فاهم ايه اللي بيحصلي ..أول ما أحس انها
أتعلقت بيا، وبمجيتي البيت، وبحسي معاها ..أبعد، أسافر بدون سبب، أجعد على
القهوة لحد الفجر، ولما تعاتبني أتخانق معها وأجولها انا الراجل أعمل ما
بدالي، كأني بهرب منهم..اللي طفشت بقى..واللي هددتني..والاخرانية جرستني
في البلد وقالت اني مليش في صنف الحريم..
- أيوة يعني سابوك ليه؟
- ما انا قلت اني مش عارف يا شيخ..لا اله الا الله..سيبك مني انت مال حالك..حسنية جاتلك في المنام تاني..؟
- حسنية جاتلي في المنام تالت..
كان
الشيخ جالسا على ضفة من ضفتي الترعة وأشرف على الضفة المقابلة، وبينما هم
يتحدثون كان مجموعة من شباب القرية ماضون من نفس المكان فرمى الشيخ زجاجة
الخمر في الترعة، وكانت طافية بين أشرف والشيخ حسني ولاحظ الشباب الزجاجة
بينهم..
- يعني انت يا أشرف مش كفاية انك مالكش في الحريم كمان بتغضب ربنا بالخمرة..أما أنت راجل ناقص صحيح..
- بس ياض أمشي من هنا،
وقام
أشرف غاضبا راميا زلطا صغيرا نحوهم ليبتعدوا ..فا ركضوا منه وهم يغنون
ويحاولون استفزازه " يا أشرف يا خروف يا راجل منتوف..يا أشرف يا خروف..."
لقد تعب أشرف مما يقابله في القرية، كان يفكر والصبية يبتعدون متسائلا..
-
أعمل ايه عشان يسيبوني في حالي ؟ ..ما بيسامحوا ناس على كبايرهم... مش
عارفين يعدوا بتعاتي انا ليه ؟ بيحكموها ازاي، يتعاطفوا مع واحد و واحد لأ
..يا شيخ ؟
أشرف
وهو يعاود الجلوس لاحظ الشيخ حسني نائما على نفسه، فعبر أشرف الجسر
الحديدي وصحى الشيخ حسني ليأخذه لمنزله، قبل ان يخرج الناس من عظة الجمعة
ويجعلوا يومه مُرا مثل العلقم.
وبينما هو يضع يد الشيخ على كتفه، الشيخ أستيقظ قليلا وسأله..
- حُسنية ؟
- لا أشرف..
ماتت حُسنية في يوم جمعة منذ عام.
- وحُسنية؟
- لا أشرف بس..
سحبتها إحدى دوامات الترعة القوية عندما سقطت من على المعدية.
- طب وحُسنية؟
- هي جاتلك في المنام تاني ؟
ومن ذلك اليوم وكل جمعة هو ذكرى للحادث الاليم الذي أصاب الشيخ، أما بالنسبة لأشرف لا أحد يعرف ماذا بهِ ولا أحد يهتم.
ريمون بحر

تعليقات
إرسال تعليق